ملا محمد مهدي النراقي
455
جامع الأفكار وناقد الأنظار
بصيران . وهو قد أنكر وجود شيء وحدوثه لا من أصل قديم . وقال : انّ فاعل الخير بأسره هو النور وفاعل الشرّ بأسره هو الظلمة . ومنهم : الديصانية : أصحاب الديصان ، اثبتوا أصلين قديمين : النور والظلمة ، وقالوا : النور يفعل الخير قصدا واختيارا والظلمة يفعل الشرّ طبعا واضطرارا . ومنهم : المجوس : الذاهبون إلى أنّ فاعل الخير هو يزدان وفاعل الشرّ هو أهرمن - ويعنون به الشيطان - . وقالوا : انّ يزدان قديم أزلي وأهرمن حادث منه . وذكروا في سبب حدوثه وفي سبب قدرته على فعل الشرّ ما يشمئزّ طباع العقلاء عن استماعه ! . ثمّ الظاهر من كلام الشهرستاني في الملل والنحل انّ المجوس لا تعدّون من الثنوية حيث قال : الثنوية أصحاب الاثنين الأزليين ، وهم يزعمون انّ النور والظلمة أزليان قديمان متساويان في القدم والأزلية مع اختلافهما في الجوهر والطبع / 105 MA / والفعل . بخلاف المجوس ، فانّهم قالوا بحدوث الظلام وذكروا سبب حدوثه « 1 » . ويؤيّد عدم كون المجوس من الثنوية - : المنكرين لهذا الأصل بالكلّية القائلين بتعدّد المبدأ - انّهم قالوا : انّ ايجاد أهرمن ليس شرّا ، بل انّما الشرّ منه ، فيزدان أوجد اهرمن وجميع الشرور يصدر من اهرمن . ولا ريب انّه على هذا لا يكون المجوس قائلين بإلهين اثنين ، بل يسندون الجميع إليه - تعالى - . لكنّهم لم يجعلوا الشرور مستندة إليه - تعالى - بلا واسطة - لكونه خيرا محضا - ، بل أسندوها إلى اهرمن وقالوا : انّ ايجاد اهرمن ليس شرّا ، بل خير ، لأنّ اعطاء الوجود خير مطلقا وانّما صدر الشرّ عن اهرمن لا عنه - تعالى - . ثمّ شبهة هؤلاء الطوائف الثلاث : هي انّا نجد في العالم خيرا كثيرا وشرّا كثيرا وإنّ الواحد لا يكون خيرا وشرّيرا ، فلكلّ منهما فاعل على حدة . وبتقرير آخر أوضح : انّ اللّه خير محض فلا يمكن أن يوجد الشرّ . بيان ذلك : انّ ذاته المقدّسة عالم بجميع الخيرات والشرور غير محتاج إلى شيء منها ، ومن كان كذلك لا يصدر عنه الشر بالضرورة ، فيكون خيرا محضا لا يمكن أن يوجد الشرّ . أو لأنّه - تعالى - عين الوجود و
--> ( 1 ) - راجع : الملل والنحل ، ج 1 ، ص 224 ، باختلاف يسير في اللفظ .